عاجل

image

ارتدادات الزلزال الفنزويلي الجيوسياسية… من هو الخاسر الأكبر في لعبة النفوذ العالمي؟

لم تكن عملية «العزم المطلق» الأميركية في فنزويلا مجرّد تحرّك أمني خاطف لإسقاط نظام نيكولاس مادورو أو اعتقاله، بل شكّلت — بحسب مقاربة واشنطن — ضربة استراتيجية استهدفت قلب شبكة نفوذ دولية معقّدة تمتد من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط، مرورًا بإيران وروسيا والصين. والنتيجة الأهم، وفق تقديرات دبلوماسية وعسكرية أميركية، هي تفكّك ما كان يُعرف بـ «القاعدة الأمامية» للمحور المعادي للولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي، وانعكاس ذلك مباشرة على وكلاء هذا المحور وفي مقدّمهم «حزب الله».

فنزويلا: العقدة التي كانت تربط المحور

لسنوات طويلة، لم تكن فنزويلا مجرد دولة حليفة لإيران وروسيا والصين، بل تحوّلت إلى منصّة عمليات متعددة الوظائف: مركز لتبييض الأموال، ممر لتهريب السلاح، نقطة لوجستية لوكلاء إيران، وملاذ آمن لشبكات مالية وأمنية تعمل خارج النظام المالي الدولي.

تقديرات أميركية تشير إلى أن حوض أورينوكو وحده كان يدرّ نحو 500 مليون دولار سنويًا عبر عمليات غير شرعية مرتبطة بالذهب والنفط والمخدرات. هذه الأموال، بحسب مصادر استخباراتية غربية، كانت تُستخدم في تمويل شبكات مرتبطة بـ «الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله»، وفي دعم أنشطة وكلاء إيران في المنطقة.

في الوقت نفسه، كانت روسيا تستخدم فنزويلا كمنصة نفوذ عسكري عبر أنظمة دفاع جوي ومرتزقة «فاغنر»، بينما ضخت الصين عشرات المليارات في البنية التحتية والمراقبة الرقمية ضمن إطار «الحزام والطريق»، ما جعل النظام الفنزويلي جزءًا عضوياً من توازنات دولية تتجاوز حدود القارة اللاتينية.

سقوط مادورو: أكثر من تغيير نظام

من هذا المنطلق، ترى واشنطن أن سقوط مادورو لا يمثّل مجرد تغيير سياسي داخلي، بل انهيار حلقة مركزية في شبكة النفوذ المعادي لها. ولهذا السبب، وصف مسؤولون أميركيون العملية بأنها «استعراض للقوة المشتركة» ورسالة استراتيجية لكل من إيران وروسيا والصين بأن قدرتهم على العمل بحرّية خارج حدودهم باتت محدودة.

الانعكاس الفوري لذلك كان — بحسب مصادر أميركية — دخول الشبكة بأكملها في حالة تفكك واضطراب: تعطّلت مسارات التمويل، انهارت قنوات التهريب، وتحوّلت الأصول التي كانت مخفية في أميركا اللاتينية إلى عبء قانوني وأمني على أصحابها.

«حزب الله»: من شبكة عالمية إلى أزمة وجودية
الطرف الأكثر تأثرًا بهذه التطورات، وفق القراءة الأميركية، هو «حزب الله». فالحزب كان يعتمد على فنزويلا كنقطة ارتكاز خارجية أساسية للالتفاف على العقوبات الغربية، سواء عبر تجارة الذهب والمخدرات، أو عبر شركات وهمية وشبكات تحويل مالي غير رسمية.

ومع سقوط مادورو وتدخّل وزارة الخزانة الأميركية لتجميد الأصول وتعقّب الشبكات، تشير المعلومات إلى أن قدرة الحزب على تحويل الأموال ونقل المعدات تراجعت بشكل حاد، وأن القيادة دخلت في حالة استنفار قصوى لمحاولة احتواء الضرر.

بعبارة أخرى، ما خسره الحزب ليس فقط مصدر تمويل، بل منظومة كاملة كانت تؤمّن له العمق المالي واللوجستي خارج الشرق الأوسط. وهذا ما يجعل الضربة الحالية نوعية، لأنها تستهدف البنية التحتية غير المرئية للحزب أكثر مما تستهدفه عسكريًا بشكل مباشر.

إيران وروسيا والصين: خسائر متفاوتة من ضربة واحدة

إيران تبدو الخاسر الأكبر استراتيجيًا، لأنها فقدت ساحة خارجية كانت تتيح لها الالتفاف على العقوبات، وإدارة جزء من حروبها بالوكالة بعيدًا عن الرقابة المباشرة. روسيا بدورها خسرت منصة نفوذ ورمز تحدٍّ للولايات المتحدة في القارة الغربية، فيما تجد الصين نفسها أمام احتمال خسارة استثمارات ضخمة قد تخضع لإعادة تفاوض أو تدقيق قضائي من أي سلطة انتقالية جديدة.

في الخلاصة، عملية «العزم المطلق» لم تكن عملية أمنية محدودة، بل زلزالًا جيوسياسيًا أعاد رسم جزء من الخريطة غير المرئية للصراع الدولي. وفي هذا المشهد، يظهر «حزب الله» كأحد أبرز المتضررين، لأنه خسر حلقة مركزية في شبكته العالمية، في لحظة هو فيها أصلًا تحت ضغط اقتصادي وسياسي متزايد داخل لبنان والمنطقة.
النتيجة النهائية لم تتضح بعد، لكن المؤكد أن سقوط فنزويلا من معسكر المحور لا يغيّر فقط ميزان القوى في أميركا اللاتينية، بل يترك ارتدادات مباشرة على صراعات الشرق الأوسط، وعلى قدرة اللاعبين غير الدوليين — وفي مقدّمهم «حزب الله» — على الاستمرار بالصيغة التي عرفناها خلال العقدين الماضيين.


 

  • شارك الخبر: