الدولة "الخصم والحكم": معادلة "حاميها حراميها"
تطرح العودة المفاجئة لسياسة الارتجال الحكومي تساؤلات جوهرية حول توقيت وخلفيات الدفع بمشروع قانون "الانتظام المالي" في هذا التوقيت الحرج. فالمشهد يوحي بأن السلطة التنفيذية، برئاستها وأعضائها، قد استسلمت بشكل نهائي لنهج "الدولة العميقة" الذي ترسخ منذ عام 1992، حيث يغيب التخطيط العلمي ليحل محله التخبط الذي يخدم مصالح الفئات المهيمنة. هذا التخبط ليس عشوائياً، بل يبدو كأداة سياسية للهروب من استحقاقات كبرى، ومحاولة لفرض واقع مالي جديد يكرس إفلات المسؤولين من العقاب تحت غطاء "الضرورة".
"كرة النار" والهروب إلى الأمام
يظهر الاستعجال الحكومي المريب في "تهريب" مشروع القانون وكأنه محاولة واضحة لرمي كرة النار في ملعب مجلس النواب. الهدف من هذه المناورة مزدوج: الأول هو غسل يد الحكومة من "جريمة" إعدام الودائع التي تمثل شقاء عمر اللبنانيين، والثاني هو تبرئة ذمة الدولة من أي التزامات مالية مستقبلية تجاه مواطنيها. إن هذا السلوك يعكس رغبة السلطة في التنصل من مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، وتحويل الأزمة من مسؤولية "دولة اقترضت وأنفقت" إلى مجرد "أرقام محاسبية" يتم شطبها بقرار تشريعي.
قدسية الودائع وتغييب المحاسبة
إن أي مقاربة تقنية للأزمة المالية لا تبدأ بـ "تحديد المسؤوليات" هي مقاربة ولدت ميتة ومرذولة أخلاقياً. فالودائع ليست مجرد أرقام في ميزانيات المصارف، بل هي ملكية خاصة مقدسة كفلها الدستور، وقد تعرضت لعمليات نهب وهدر منظم على مدار عقود. من هنا، يبدو القفز نحو "الحلول" دون إجراء تحقيق شفاف يحدد من سرق ومن أهدر ومن استفاد، بمثابة محاولة لطمس معالم الجريمة المالية الكبرى، وتشريع لسرقة العصر التي استهدفت مدخرات المقيمين والمغتربين على حد سواء.
وعليه، تكمن المفارقة الصارخة في أن مشروع القانون الحالي يستثني الدولة من تحمل المسؤولية الكبرى في عملية استرداد الودائع، رغم أنها كانت المقترض الأول والمستفيد الأكبر من أموال المودعين لتمويل المحاصصة الطائفية ودعم الأطراف السياسية. إن تسمية القانون "حاميها حراميها" ليست مجرد توصيف بلاغي، بل هي انعكاس لواقع قانوني يحاول تحويل "الجلاد" إلى "حكم". فالدولة التي بددت الأموال هي نفسها التي تحاول اليوم فرض صيغة تعفيها من رد الدين، مما يجعل أي حل يصدر عنها في صيغته الحالية مجرد صك براءة لمن تسبب في الانهيار.
- شارك الخبر:
