تعطيل قانون الانتخاب بين عين التينة والحكومة: أزمة دستورية تُقلق الداخل والخارج
في وقتٍ تُدار فيه الملفات الأمنية والعسكرية في لبنان تحت سقف التوازنات الإقليمية والضغوط الدولية، يبرز الملف الانتخابي كاستثناء لافت، إذ يبدو خاضعًا بالكامل لإدارة داخلية محصورة بعين التينة. فعلى الرغم من انقضاء المهلة القانونية المحدّدة في المادة 38 من النظام الداخلي لمجلس النواب، والتي تلزم اللجان النيابية بإنهاء درس مشاريع القوانين ضمن أطر زمنية واضحة، لا يزال مشروع تعديل قانون الانتخابات خارج جدول أعمال الهيئة العامة، في خطوة تعكس تجاوزًا صريحًا للحكومة ورئيسها، وتهميشًا لدور مجلس الوزراء كمؤسسة دستورية شريكة في صناعة القرار.
هذا التعطيل لا يمكن قراءته كمسألة إجرائية أو تقنية فحسب، بل يفتح الباب أمام أسئلة سياسية ودستورية أعمق تتصل بطبيعة إدارة السلطة التشريعية واحترام القواعد الناظمة لعملها. فحين يُجمَّد مشروع قانون يمسّ جوهر الحقوق السياسية، ولا سيما حقوق اللبنانيين المنتشرين في المشاركة الديمقراطية، فإن ذلك يطرح إشكالية جدّية حول مدى الالتزام بمبدأ سيادة القانون، وحول ما إذا كانت الاعتبارات السياسية الآنية باتت تتقدّم على النصوص الدستورية والأصول البرلمانية.
في هذا السياق، تتجه الأنظار إلى الكتل النيابية التي أعلنت دعمها لتعديل القانون، وخصوصًا النواب السنّة، لمعرفة ما إذا كانوا سيشاركون في الجلسة المقبلة رغم هذا التعطيل. فحضورهم في ظل هذا الواقع قد يُفسَّر سياسيًا على أنه تسليم بالأمر الواقع، ومساهمة غير مباشرة في تكريس نهج يتجاوز الحكومة ويقزّم دورها، ما يشكّل مسًّا واضحًا بمبدأ الفصل بين السلطات والتوازن الدستوري الذي يُفترض أن يحكم الحياة السياسية في البلاد.
ولا يقف أثر هذا الأداء عند الحدود الداخلية، إذ بدأت تداعياته تظهر بوضوح في مقاربة المجتمع الدولي للوضع اللبناني. فبحسب معطيات دبلوماسية، يتنامى القلق لدى الدول المعنية من تعطيل عمل البرلمان في مرحلة بالغة الحساسية، تتطلّب إقرار حزمة من القوانين الإصلاحية العاجلة. اللافت أن الخطاب الدبلوماسي انتقل من لغة الدعوات التقليدية إلى التوافق، إلى تشخيص مباشر لمصدر الخلل، حيث بات يُنظر إلى أسلوب إدارة رئيس المجلس النيابي كعامل أساسي في الانسداد السياسي، إلى حدّ أن عبارة “برّي هو المشكلة” أصبحت تتردّد في الكواليس الدبلوماسية، في مؤشر خطير إلى تآكل الثقة الدولية بمسار العمل المؤسسي في لبنان.
- شارك الخبر:
