زيارة البابا في زمن المخاطر والانهيار… هل تشكّل الفرصة الأخيرة لإنقاذ “لبنان الرسالة”؟
في اللحظة التي يحلم فيها اللبنانيون بتجميد الزمن، والهروب من ثقل الحرب والتهديدات، جاءت زيارة البابا لاوون الرابع عشر كنافذة أمل في بلد يتنقّل بين الانهيارات. وسط التعب الجماعي، حمل البابا رسالة بدت كأنها محاولة لإعادة إحياء الروح في وطنٍ فقد الكثير من عناصر توازنه. وفي المقابل، وجّه اللبنانيون إليه وإلى العالم عبارة واحدة: “السلام علينا”، مستعيدين الشعار الذي رافق استقباله: “طوبى لصانعي السلام”.
هذه الزيارة لم تكن بروتوكولية. فلبنان، الغارق منذ سنوات في صراعات داخلية وخارجية، ما زال يبحث عن سلام يضمن بقاءه. وإذا كانت الحروب تتبدل وجبهاتها تتغير، فإن الرسالة تبقى نفسها، تلك التي أعلنها البابا يوحنا بولس الثاني في التسعينيات: “لبنان أكثر من بلد… إنه رسالة”. رسالة تعايش وشراكة بين مكوّنات متنوّعة تجمعها الأرض نفسها والمصير نفسه، وهي المعادلة التي ذكّر بها رئيس الجمهورية جوزاف عون حين قال: “فليسمع العالم… باقون هنا، رسل محبة وخير منذ البداية حتى النهاية.”
لكن هذه الرسالة اليوم أمام تحدٍّ وجودي. سقوطها يعني انهيار ما تبقى من مساحات التعددية في المشرق، وضياع نموذج نادر حاول الصمود وسط موجات التطرف والتحولات الجيوسياسية. لذلك، تُقرأ كلمات البابا في بعبدا كجرس إنذار قبل فوات الأوان، وكأنها محاولة لوقف الانهيار قبل ان يصبح الانقاذ مستحيلا.
اللافت أن البابا استخدم كلمة “سلام” 27 مرة في خطابه، من دون أن يذكر الحرب الإسرائيلية على لبنان مباشرة. هذا التجاهل ليس عفوياً، بل يعكس مقاربة مختلفة: التركيز على السلام كخيار داخلي ومبدأ تأسيسي يجب أن يتمسك به اللبنانيون أنفسهم رغم النار المحيطة بهم. فالسلام، وفق رؤيته، ليس شعاراً بل قدرة على “العيش معاً من أجل مستقبل مشترك”.
في جوهرها، جاءت رسالة البابا دعوة إلى الشجاعة: شجاعة البقاء، وشجاعة الإيمان بلبنان، وشجاعة حماية رسالته قبل أن تُطوى صفحتها. وبينما يواصل البلد معاركه السياسية والاقتصادية والأمنية، تبرز زيارة البابا كاختبار جديد:
هل تكون بالفعل طوق نجاة أخير قبل سقوط الرسالة؟
أم أنها مجرد محطة رمزية أخرى في زمن يبتلع الفرص كما يبتلع الأمل؟
في انتظار الإجابة، يبقى السؤال الأكبر معلقاً: هل يستعيد اللبنانيون المبادرة لإنقاذ بلدهم، أم يتركون الرسالة تتلاشى في صخب الحروب التي لم تهدأ يوماً؟
- شارك الخبر:
