لبنان بين مفترق التحوّلات: العاصفة تشتدّ والمنطقة تُعاد صياغتها
يجد لبنان نفسه اليوم، مرة جديدة، في قلب العاصفة الإقليمية، وسط لحظة مفصلية تُعاد خلالها صياغة ملامح الشرق الأوسط على وقع قرارات تُتخذ بين نيويورك والرياض. فالمشهد لم يعد مجرد تطورات متفرّقة، بل أقرب إلى خارطة طريق سياسية وأمنية يرسم العالم من خلالها مستقبل المنطقة، في وقت تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى مع حسابات العواصم العربية. وفي هذا السباق الدولي، يقف لبنان في موقع المتأثر أولًا، والغائب — أو المُغيَّب — عن طاولة القرار.
التحول الأميركي – السعودي ومعادلة غزة
تبدأ لحظة الحسم من نيويورك، حيث يحمل تصويت مجلس الأمن على مشروع قرار أمريكي بشأن غزة أبعادًا تتجاوز وقف النار. فنجاح المشروع دون فيتو روسي أو صيني يعني عمليًا تبنيًا لخطة ترامب الجديدة التي تتضمن الإشارة إلى «دولة فلسطينية محتملة»، ما يشكل تحديًا مباشرًا للخطاب الإسرائيلي الرافض ولطموحات توسيع اتفاقيات أبراهام. ومع اقتراب لقاء ترامب – محمد بن سلمان في الرياض، تبدو المنطقة أمام إعادة صياغة كاملة للعلاقة الأميركية – السعودية، بما يشمل مستقبل التطبيع، ميزان القوى الإقليمي، ودور المملكة القيادي في الملفات العربية وعلى رأسها لبنان.
لبنان يعود إلى الطاولة… ولكن بشروط
وسط هذا الزخم، يشقّ لبنان طريقه إلى جدول الأعمال واشنطن – الرياض، مدفوعًا بحراك دبلوماسي لافت أبرزُه زيارة الأمير يزيد بن فرحان لبيروت. وما يزيد المشهد دلالةً هو تبدّل النبرة داخل البيئة الشيعية: خطاب الشيخ نعيم قاسم الداعي لفتح صفحة مع السعودية، صورة السفير وليد البخاري مع الشيخ علي الخطيب، وإعلان المجلس الشيعي الأعلى أن «الطائف هو المخرج الوحيد». كلها إشارات إلى لحظة مراجعة داخلية تتقاطع مع رغبة سعودية في تثبيت الدولة اللبنانية كمدخل وحيد لإعادة ترتيب البيت الوطني. وهنا يبرز السؤال الحاسم: هل يلتقط حزب الله الفرصة، ويقرأ المتغيرات بعيدًا عن الحسابات الإيرانية الضيقة؟
البلد يغرق في التفاصيل بينما يمرّ القطار
ورغم أهمية هذه التحولات، تبقى النخبة السياسية اللبنانية غارقة في معارك جانبية لا تمتّ بصلة إلى حجم اللحظة. فبينما ترسم المنطقة توازناتها الجديدة، ينشغل جزء من الطبقة السياسية بـ«انتصارات وهمية» في انتخابات نقابية، وكأن البلاد تعيش خارج الزمن. هذه الهوّة بين لحظة العقل الإقليمي ولحظة العبث الداخلي تختصر مأساة الأولويات في لبنان: دولة تُعاد صياغة مستقبلها خارج حدودها، وطبقة سياسية تصرّ على إدارة التفاصيل الصغيرة بينما يمرّ قطار التسويات فوق رؤوس الجميع.
- شارك الخبر:
