من الفلتان إلى المحاسبة...أين اصبحت الحملة على مخالفات المولدات؟
يمثل البيان الصادر عن المديرية العامة لأمن الدولة حول تنفيذ حملة كشف ميداني على أصحاب المولدات الكهربائية في ضواحي بيروت الجنوبية (الأوزاعي، حارة حريك، المريجة، الليكي) نقطة مهمة في سياق جهود ضبط فلتان التسعيرة في قطاع خدماتي حيوي. على الرغم من أن الحدث يتعلق بمخالفات بسيطة نسبياً، إلا أنه يحمل دلالات أعمق حول التنسيق بين الأجهزة الأمنية والرقابية، وضرورة فرض هيبة القانون في مواجهة الاحتكار والاستغلال.
تنسيق الجهود ومحاربة الاحتكار الخدماتي
إن أهم ما يميز هذه العملية هو التنسيق الثلاثي بين:
- مديرية جبل لبنان الإقليمية لأمن الدولة ومديرية الاستعلام (الجهة المنفذة والضابطة).
- مصلحة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد والتجارة (الجهة المخولة بتحديد المخالفة وتنظيم محضر الضبط).
- النيابة العامة المالية (الجهة القضائية التي أعطت الإشارة).
هذا التضافر في العمل يؤكد على أن الدولة اللبنانية، رغم ترهلها، تمتلك آليات يمكن تفعيلها لفرض الرقابة. استخدام جهاز أمني كالمديرية العامة لأمن الدولة في عملية كشف على أسعار المولدات يُعدّ مؤشراً على:
جدية الملف: تعامل الأجهزة الأمنية مع مخالفة التسعيرة كقضية تمس الأمن الاجتماعي والاقتصادي للمواطنين.
الحاجة إلى القوة: يعكس ضعف سلطة مصلحة حماية المستهلك بمفردها، واستدعاء القوة الضابطة لضمان تنفيذ الكشف وتجنب أي مقاومة أو مماطلة من المخالفين.
طبيعة المخالفة والدلالة الاقتصادية
تمحورت المخالفات المكتشفة حول تجاوز التسعيرة المحددة من قبل وزارة الطاقة والمياه.
هذه المخالفة تحمل دلالات اقتصادية واجتماعية عميقة:
استغلال الحاجة: قطاع المولدات هو قطاع احتكاري غير رسمي، يستغل انقطاع التيار الكهربائي الحكومي المزمن لفرض شروطه. رفع التسعيرة بشكل غير قانوني يمثل استغلالاً مباشراً لحاجة المواطنين الأساسية للكهرباء.
الضربة على جيوب المواطنين: في ظل الأزمة الاقتصادية وتآكل قيمة الرواتب، يصبح أي ارتفاع غير مبرر في تسعيرة المولدات عبئاً إضافياً لا يطاق على كاهل الأسر اللبنانية.
انتهاك التسعيرة الرسمية: إن وجود تسعيرة رسمية من وزارة الطاقة، حتى لو كانت مثيرة للجدل في طريقة حسابها، يضع حداً أدنى لالتزام أصحاب المولدات، والمخالفة هنا هي خرق واضح للقرار الرسمي.
الإجراءات القانونية: الدور الحاسم للنيابة العامة المالية
الإجراء الختامي في البيان، وهو تنظيم محاضر عدلية بحق المخالفين بناءً على إشارة النيابة العامة المالية، هو الأهم قانونياً.
مالية لا جزائية: إحالة الملف إلى النيابة العامة المالية تضع هذه المخالفات في سياق الجرائم الاقتصادية التي تمس المال العام ومصالح المستهلكين الواسعة، وليس مجرد جنح جزائية عادية.
الردع المطلوب: إن تحويل المخالفات إلى القضاء يرفع من مستوى الردع، فبدلاً من الاكتفاء بالغرامات الإدارية، يمكن أن يترتب على ذلك ملاحقات قضائية وعقوبات أشد، وهو ما يتطلبه ضبط الفلتان في هذا القطاع الذي اعتاد على العمل دون رقيب.
في الخلاصة والتوقعات، تُعدّ حملة أمن الدولة خطوة إيجابية مطلوبة لفرض النظام في قطاع المولدات، وتؤكد على أن تفعيل الأجهزة الأمنية الرقابية هو ضرورة للحد من الفساد الصغير والاستغلال اليومي.
ولكي تحقق هذه الحملات هدفها المرجو، يجب أن تكون:
مستدامة وشاملة: يجب ألا تقتصر الحملات على منطقة معينة أو فترة قصيرة، بل يجب أن تتوسع لتشمل كافة المناطق اللبنانية بشكل دوري.
مقترنة بعقوبات رادعة: يجب أن تصدر الأحكام القضائية بسرعة وبشدة، لتشكل رادعاً حقيقياً لأصحاب المولدات الذين يتلاعبون بقوت المواطنين.
البيان هو رسالة للأفراد المحتكرين بأن الدولة، بأجهزتها، يمكن أن تتدخل لحماية المستهلكين، لكن نجاح الرسالة يعتمد على قوة الإجراءات القضائية التالية.
- شارك الخبر:
