ظاهرة "التجرؤ على المقامات": فوضى الأمن والقضاء
خاص: أخبار Plus
في بلد تتآكل فيه الحدود بين الحرية والانفلات، وبين النقد والتطاول، تبرز في الآونة الأخيرة ظاهرة مقلقة تهزّ المشهد اللبناني تحت عنوان عريض: "ثقافة الشتائم والتجرؤ على المقامات". هذه الظاهرة، التي تتغذى من حالة الانقسام السياسي والاحتقان الطائفي ومن غياب المحاسبة، تكشف جانباً عميقاً من أزمة القيم التي تضرب المجتمع، حيث تحوّل الخطاب العام إلى ساحة مفتوحة للتجريح والإهانة، لا للجدال والحوار.
وقد طالت هذه الموجة رموزاً دينية وسياسية، وأثارت استنكاراً واسعاً عندما مسّت مقامات روحية مثل "سيدة حريصا"، في دلالة على مدى التراجع في الخطاب الوطني والأخلاقي. لكن الأخطر من الشتائم نفسها هو ما تكشفه هذه الظاهرة من شللٍ أمني وقضائي غير مسبوق؛ فمذكرات التوقيف تُصدرها أعلى السلطات القضائية – كما في حالتي علي برو وهشام قعفراني – إلا أن أيّ جهاز أمني لا يجرؤ على تنفيذها.
سياسياً، تعبّر هذه الظاهرة عن انكشاف السلطة وضعفها البنيوي، إذ فقدت مؤسسات الدولة قدرتها على فرض النظام أو حماية الرموز الوطنية والدينية. واللافت أنّها تتزامن مع مرحلة دقيقة من الانقسامات الداخلية والتوترات الإقليمية، ما يجعل من هذا الانهيار الأخلاقي والأمني أحد أبرز مظاهر العجز في إدارة الدولة. فحين تتجرأ فئات على المقامات دون رادع، وتُشل يد القضاء، فإنّ الفراغ السيادي يصبح واقعاً ملموساً، تمهيداً لتحوّل السلطة إلى مجرد مظلة شكلية فوق فوضى متحركة.
إنّ استمرار هذا المسار يهدّد بتفكّك ما تبقّى من مؤسسات الدولة، ويمنح القوى الخارجة عن القانون شرعية الأمر الواقع. فالفوضى الداخلية لا تنفصل عن السياق السياسي العام، بل تغذّي مناخ الانهيار وتفتح الباب أمام تسويات تُبنى على الضعف لا على سيادة القانون.
وفي الخلاصة، فإنّ "التجرؤ على المقامات" ليس حدثاً معزولاً بل مؤشراً خطيراً على تفكّك الدولة اللبنانية، حيث العجز الأمني والقضائي يشكّلان الوجه الآخر للانقسام السياسي. وإن لم يُعاد الاعتبار لمفهوم الدولة والعدالة، فإنّ لبنان يتّجه نحو نموذج سلطوي هشّ تُدار فيه البلاد من خارج مؤسساتها، ويُترك المواطن أمام خيارين: الفوضى أو الخضوع للأمر الواقع.
- شارك الخبر:
