بين السيادة المفقودة و غياب القرار : الدولة رهينة حسابات الحزب والتصعيد الإسرائيلي
على الرغم من الهدوء النسبي الذي أوجدته المساعي الدبلوماسية، تكشف المواقف الرسمية في بيروت وتل أبيب عن عمق الأزمة التي يعيشها لبنان بين خطابٍ سياديٍّ هش وواقعٍ خاضع لمنطق السلاح. فبينما تبدو إسرائيل واثقة من موقعها التفاوضي وتلوّح بـ"نفاد الصبر"، يواصل لبنان الرسمي إظهار تردده وعجزه عن صياغة موقفٍ وطني مستقل، بعدما بات القرار الفعلي مرهوناً بحسابات حزب الله الإقليمية لا بمصالح الدولة اللبنانية.
الموقف اللبناني: ضعف مبطّن بعبارات السيادة
تتعامل السلطات اللبنانية مع الموفدين الدوليين بخطابٍ دبلوماسي حذر، يركّز على وقف الاعتداءات وتطبيق القرارات الدولية، لكنه في الجوهر يخفي مأزقاً أعمق يتمثل في غياب الإرادة السياسية المستقلة.
فكل ما يصدر عن الدولة محكوم بسقف الحزب، الذي يرسم حدود الحركة الرسمية ويحدّد طبيعة الردّ والتصعيد، ما يجعل لبنان في موقع التابع لا صاحب القرار.
هذا التناقض بين الخطاب والسياسة الفعلية أفقد الدولة اللبنانية صدقيتها أمام المجتمع الدولي، وأظهرها كسلطةٍ عاجزة عن حماية أراضيها، تكتفي ببياناتٍ وتصريحاتٍ لتغطية واقع الارتهان الكامل لمن يمسك بالسلاح ويقرّر الحرب والسلم.
الموقف الإسرائيلي: تهديد مستمر ورفع لسقف المطالب
في المقابل، تبدو إسرائيل أكثر تصعيد وحدية في استخدام لغة التهديد. فالمسؤولون الإسرائيليون يتحدثون بصراحة عن "نفاد الصبر" تجاه الوضع على الحدود الشمالية، ويرون أن أي تفاهم مؤقت لا قيمة له ما لم يُبعد حزب الله عن الشريط الحدودي.
وتوظّف تل أبيب هذا المناخ الدبلوماسي كفرصةٍ لانتزاع تنازلات من لبنان الرسمي، مدعومةً بضعف القرار اللبناني وتردده، ما يمنحها هامشاً أوسع للضغط والمناورة.
وبينما ترفع إسرائيل سقف مطالبها تحت عنوان "الأمن والاستقرار"، يكتفي لبنان الرسمي بالردّ عبر الموفدين الدوليين، متجاهلاً أن عجزه في فرض سيادته بات الحجة الأبرز التي تستخدمها تل أبيب لتبرير تهديداتها.
في ظل هذا الواقع، يظهر بوضوح أن المستفيد من الوضع الراهن هو حزب الله الذي نجح في استخدام الوقت البدل ضائع لإعادة ترتيب أوراقه داخلياً بما يخدم حسابات ارتباطاته الإقليمية، فيما بقيت الدولة غائبة عن أي دورٍ فاعل. هذا الخضوع غير المبرر لإملاءات الحزب حوّل لبنان إلى ساحةٍ مفتوحة أمام التصعيد الإسرائيلي، وإلى كيانٍ هشّ يترنّح بين الخطاب الوطني والواقع المرهون.
لقد قالها بوضوح المبعوث الأميركي توم براك: "لبنان بات مثالاً للدولة الفاشلة التي فقدت قرارها الوطني، وسمحت لقوةٍ داخلية بأن تملي عليها توجهاتها الخارجية."
وهو توصيف يعكس تماماً جوهر المأزق اللبناني اليوم — دولةٌ تخلّت عن واجباتها الوطنية، وسلّمت زمامها لقوةٍ تتحدث باسمها وتورّطها في مغامراتٍ مدمّرة، فيما الشعب يدفع الثمن بسيادته واقتصاده وأمنه.
أخيرا، في زمن "التهدئة الوهمية"، لم يعد السؤال من يملك السلاح، بل من يملك القرار.
فلبنان، الذي كان يوماً منارة للحرية والسيادة، يقف اليوم على حافة مغامرة جديدة قد تكون الأخطر في تاريخه الحديث، طالما أن ضعف الدولة مستمر وخضوعها يتعمّق يوماً بعد يوم.
- شارك الخبر:
