لبنان في دوامة الموفدين: ضحية حلول لا تحميه
من فيليب حبيب إلى توم باراك، تاريخ لبناني حافل بالموفدين الدوليين، ولأكثر من نصف قرن، شهد اللبنانيون خلاله أزمات متعاقبة، غالباً ما كانت ولا تزال مرتبطة بالصراعات الإقليمية التي تنعكس على الساحة اللبنانية، إما حروباً داخلية، أو تعقيدات دستورية، أو انهيارات اقتصادية، أو استعصاءات رئاسية. فقد بقيت بيروت وجهة دائمة للوسطاء، الرسميين أو المقنّعين، الذين غالبًا ما يُصوَّرون كرسل سلام، أو حاملي حلول سحرية، في حين أنهم كانوا، في كثير من الأحيان، رسل توازنات لم تنضج بعد، أو شهودًا على تكرار المأزق نفسه الذي يبتلع أية تسوية.
ولعل المأساة اللبنانية، في أحد وجوهها، تكمن في أن الأزمات المتعاقبة لم تكن من صنع محلي، وإن وجدت أدوات تنفيذ محلية، لتُحل داخليًا، وهذا ما كان يستوجب البحث عن عناصر الحل من الخارج، فيترسّخ دور "الموفد" بوصفه جزءًا من بنية النظام، لا طارئًا عليها. يتنقّل الموفدون بين القصر الجمهوري ومجلس النواب، وبين السفارات وزعماء الميليشيات، ويكتبون تقاريرهم على وقع ما يسمعونه من أفرقاءَ لا يتفقون إلا على أمر واحد: أن الحل ليس عندهم.
في قلب كل أزمة، ظلٌّ لموفد
ليس ثمّة أزمة محورية في تاريخ لبنان الحديث، منذ ما قبل الحرب الأهلية إلى اليوم، إلا وكان في ظلّها موفد. ففي عام 1982، حين اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان ووصلت إلى بيروت، أرسلت إدارة الرئيس رونالد ريغن المبعوث الخاص فيليب حبيب، ابن زحلة اللبنانية، لتأدية مهمة حسّاسة: وقف إطلاق النار و"تنظيم" خروج منظمة التحرير من لبنان. ورغم حنكة حبيب الديبلوماسية، إلا أن العراقيل أتته من الداخل الأميركي نفسه؛ فقد كشفت مذكرات لاحقة أن اللوبي الإسرائيلي داخل إدارة ريغن حال دون إنجاح أية تسوية متوازنة، وأجهض كل مبادرة لفرملة زحف آرييل شارون. وبالفعل وعلى الرغم من خروج قيادات منظمة التحرير وعلى رأسهم الراحل ياسر عرفات (أبو عمار) إلى تونس، غادر حبيب، وبقيت الحرب، كما بقيت في أذهان اللبنانيين أغنية فيليمون وهبي " بيب بيب بيب… إجا فيليب حبيب، بيب بيب بيب… رجع فيليب حبيب".
وحول دور فيليب حبيب في تلك الفترة يستذكر الأستاذ كريم بقرادوني في حديث لـ"المدن" حادثة حصلت بين الرئيس الياس سركيس وفيليب حبيب، فيقول: "أذكر أن الموفد الأميركي فيليب حبيب، جاء إلى لبنان في أواخر سبعينيات القرن الماضي لزيارة سركيس، بعد أن طلب موعداً على عجل، في ظل مفاوضات غير مباشرة كانت تُجرى بين إسرائيل لبنان وسوريا. آنذاك، كان حبيب يواكب الوضع اللبناني عن كثب، ويحرص على إبقاء الرئيس سركيس على اطلاع بمجريات تلك المفاوضات، خصوصاً أن إسرائيل كانت لا تزال تحتل أجزاء واسعة من لبنان، والمفاوضات كانت مرتكزة على انسحابها منها، فقال له: "سيدي الرئيس، نحتاج إلى موقف واضح منكم، تصريح أو مبادرة تُساهم في إنجاح هذه المرحلة من التفاوض”. فأجابه سركيس باستغراب: "تصريح عن ماذا تحديدًا"؟
شرح له حبيب أن الرئيس حافظ الأسد حرك قواعد سام الصاروخية بين سوريا وإسرائيل بعد أن قام الطيران السوري بقصف مواقع استراتيجية لبنانية في الجبال. ولا سيما أن عدم استخدام الطيران الحربي كان من أحد النقاط المتفق عليها بين إسرائيل وسوريا، ومن البنود التي كانت مطروحة، وإن لم تكن مكتوبة".
يضيف بقرادوني "هنا أجابه سركيس بحزم: "الآن جئت لتطلب مني موقفًا؟ أنا لست طرفًا في نزاع الآخرين. وكأنه ليس لدي أي مشاكل، كل مرة تأتون وتتحدثون عن مشاكل الغير، وكأن لبنان مجرد ورقة تمرّرون عبرها صراعاتكم. حلّوا مشاكل لبنان أولًا، ثم تحدثوا معي. ما يخص الآخرين، فأنتم تعرفون كيف تتعاملون معهم".
ليكمل بقرادوني" قال له سركيس: "لا تتفاجأ، فحين تتحدث إليّ عن قضايا الآخرين، سأعطيك هذا الجواب دائمًا. أما إن أردت أن نتحدث عن لبنان، فكلي سمع".
كما لا يمكننا أن ننسى عبارة لا تزال تتردّد منذ عام 1988. قالها الموفد الأميركي ريتشارد مورفي "مخايل الضاهر أو الفوضى" بعد زيارة أمين جميل إلى سوريا ولقاء حافظ الأسد لصياغة اتفاق رفضه التيار المسيحي وقائد الجيش، حينها ميشال عون.
والمفارقة، أن زيارات الموفدين الدوليين إلى لبنان، كانت تترافق مع اتفاق المليشيات المتقاتلة على وقف إطلاق النار، فيحل الضيف، وما أن يغادر حتى تعود المعارك إلى الجبهات.
لم تقتصر الوساطات على الأميركيين والأمم المتحدة. ففي محطات مختلفة، حضرت جامعة الدول العربية، وتحديداً لحل أزمات الفراغ الرئاسي، منذ انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود، حتى انتخاب الرئيس ميشال عون. وكان عمرو موسى هو الوسيط الأشهر في تلك الحقبة.
وفي الماضي القريب، دخلت فرنسا بقوة على خط الوساطة لانتخاب رئيس خلفاً لميشال عون، لكنها لم تتمكن من لعب دور فعّال في إعادة التوازن إلى النظام اللبناني. ففي العام 2023، كلّف الرئيس إيمانويل ماكرون وزير خارجيته السابق جان إيف لودريان بمحاولة كسر الجمود الرئاسي في لبنان. زار بيروت مرات عدة، والتقى القيادات، وطرح "أسئلة لا أجوبة"، في محاولة لصوغ مقاربة فرنسية غير صدامية. لكنه بدا مثل مفاوض على سلطة لا يملكها، مع أطرافٍ تمتلك القرار من خارج الحدود.
كما كان للجامعة العربية حضور، بواسطة شخصيات مثل الأخضر الإبراهيمي، الدبلوماسي الجزائري الذي عين مبعوثاً خاصاً للجنة الثلاثية للجامعة العربية في لبنان، حيث ساهم بشكل فعال في التوصل إلى اتفاق الطائف.
وفي السنوات الأخيرة، لم تبتعد الوساطات الأميركية عن لبنان، بل أخذت منحىً أكثر تقنيًا مع احتدام النزاع البحري مع إسرائيل. آموس هوكشتاين، الذي ظهر بوصفه "وسيط الغاز"، لعب دورًا حاسمًا في إنجاز اتفاق الترسيم البحري في 27 تشرين الأول 2022، بعد زيارات مكوكية بين بيروت وتل أبيب. لكن مع اندلاع "حرب الإسناد" في العام 2024 على الحدود الجنوبية، عاد هوكشتاين بمهمة جديدة: منع توسّع الحرب. لم ينجح لا في الضغط على إسرائيل لوقف التصعيد، ولا في إقناع حزب الله بتجميد "حرب الإسناد". لذا بدت مهمته أقرب إلى "إدارة الوقت الضائع" في ظل شلل سياسي داخلي.
في المقابل، كانت الإدارة الأميركية في عهد دونالد ترامب الأول قد أرسلت ديفيد شينكر، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، في مهمات متكرّرة خلال عامَي 2019 و2020، حاملاً مواقف هجومية مباشرة ضد حزب الله، ومطالب إصلاحية حادّة للحكومة اللبنانية. لم يكن شينكر وسيطًا، بل حاملًا لشروط وضغوط، ضمن استراتيجية "الضغط الأقصى" التي أطلقها ترامب. وبالمناسبة كان شينكر هو المهندس الفعلي للعقوبات التي فرضت على شخصيات لبنانية، فهو عدَّ أن هذا الضغط قد يؤدي إلى حل لكن التوازنات، آنذاك، أظهرت أن محور الممانعة كان أقوى من هذه العقوبات. بالتالي لم ينجح في مهمته، وهذا ما أدى إلى تعميق "حزب الله"، فبدت وساطته أقرب إلى عملية فرز سياسي بدلًا من تقريب وجهات النظر.
ومع انتخاب الرئيس جوزاف عون، برز اسم مورغان أورتاغوس، المتحدثة السابقة باسم الخارجية الأميركية، التي زارت بيروت بمهمة غير رسمية، لكن ذات طابع استكشافي - تنسيقي كثيف. حملت معها تصوّرًا قالت إنه "أفكار أميركية لحل الأزمة"، لكن الرسائل كانت واضحة في جوهرها: إعادة صياغة السلطة في بيروت بما يتلاءم مع شروط التمويل الدولي، وتقييد نفوذ "حزب الله" الذي كان يتحكم بمفاصل القرار اللبناني. لم يكن دورها ديبلوماسيًا صرفًا، بل جزءًا من سردية أميركية تروّج لنموذج "الدولة المحايدة" في مواجهة محور المقاومة، من دون تقديم أدوات حقيقية لذلك التحوّل.
نمط متكرر بممثلين متبدلين
ما يجمع هؤلاء جميعًا أنهم دخلوا إلى الأزمة اللبنانية من بواباتها المختلفة، وحاولوا إخراجها على نحو يتناسب مع مصالح الخارج أو أولوياته. لم يكن أيٌّ منهم حاملًا لحل داخلي عضوي. فيليب حبيب رتّب خروج قوة، لا ولادة دولة. الإبراهيمي راقب إقرار اتفاق الوفاق الوطني في الطائف، الذي أنهى الحرب الأهلية، لكنه لم يُنفذ ليؤدي إلى قيام دولة القانون والمؤسسات الخالية من السلاح غير الشرعي والقابضة على قرار الحرب والسلم. هوكشتاين هندس اتفاقًا حرم لبنان من حقوقه في ثروته النفطية البحرية، بلا ضمانات في المقابل. لو دريان حاول ترميم الطبقة السياسية بدلاً من تجاوزها. شينكر مارس ضغوطًا ميدانية لا وساطة. وأورتاغوس استخدمت ما يشبه "العنف اللفظي" لفرض المشروع الأميركي.
وفي المقلب الآخر، بدأ يظهر جيل جديد من "الموفدين غير الرسميين" الذين لا يحملون صفة ديبلوماسية تقليدية، ويتمتعون بثقل سياسي واقتصادي كبير. المثال الأبرز هنا هو توماس بارّاك، رجل الأعمال الأميركي – اللبناني الأصل وسفير واشنطن في تركيا كما مندوبها لسوريا، الذي أتى إلى بيروت، حاملاً ما يشبه خطة إعادة هيكلة للمنظومة السياسية والاقتصادية. بخلاف أسلافه، لم يختبئ خلف عبارات إنقاذية، بل قدّم تصورًا واضحًا: سلاح المقاومة خارج الدولة، إصلاحات اقتصادية بالطريقة الأميركية، كما لا ضمانات تلزم إسرائيل بشيء. برّاك لم يكن يقدّم مبادرة، بل يطرح مطالب، إن قُبِلَت يعود لبنان إلى الخارطة الدولية، وإن لم تُقْبَل فهذا شأن الدولة اللبنانية ولتتحمل نتائج رفضها.
بلد بانتظار "مبعوث جديد"... والأخطاء نفسها
الأسوأ من سلوك الموفدين، هو ما يكشفه تعامل المسؤولين اللبنانيين معهم: هشاشة، تواطؤ، وتحوّل إلى ملعب لسيناريوهات الآخرين. الطبقة السياسية تستقبل الموفدين كأنهم مفتاح الفرج، لا مجرد زوار، وتحاول توظيفهم في معاركها. وكل فريق يبحث عن الموفد الذي يشبهه أو يفيد مصالحه الخاصة، لا عن القاعدة الوطنية المشتركة. من داغ همرشولد إلى فيليب حبيب، ومن هوكشتاين إلى برّاك، مرورًا بشينكر وأورتاغوس، يتكرّر المشهد: مبعوث يصل، يلتقي الجميع، يُبشّر باتفاق، ثم يغادر، والمشكلة تبقى. التجربة تقول إنّ الحلّ لا يأتي من الخارج، بل من قرار داخلي غائب. فالبلد الذي يُراهن دائمًا على "المجتمع الدولي"، يجد نفسه دائمًا عند حافة الانهيار، بل أسوأ من ذلك: ضحية حلولٍ لا تشبهه، ولا تحميه.
إبراهيم الرز - المدن
- شارك الخبر:
