خطاب الفتنة والانعزال...وقرع طبول الحرب!
كتب هشام يحيى:
وكأن التاريخ يعيد نفسه ليكون لبنان مجددا ساحة مفتوحة تتفجر فيها الاحتقانات الاقليمة صراعات دموية بين المكونات اللبنانية باسم الدفاع عن كرامة الطائفة ووجودها وحقوقها وعنفوانها، فتجار الطائفية الذين فشلوا في بناء الدولة العصرية ومنعوا تكوين وعي وطني لجماهريهم المخدرة بأفيون الاديان ومذاهبها، حاضرون دائما وعلى أعلى جهوزية لقرع طبول الحرب واخذ جماعاتهم الفئوية نحو مغامرات جهنمية جديدة سبق ان جربها من سبقهم وكانت النتيجة أخذ البلاد والعباد نحو طريق الهلاك المؤكد.
ما حصل في حادثة الكحالة، قد كشف ان بعض الاحزب والشخصيات لا تجد سوى بالخطاب الطائفي والفتنوي والتقسيمي، والنزعات الانعزالية، والمزايدات الشعبوية وسيلة للحفاظ على حيثيتها السياسية التي تغذيها من الاحداث الامنية الخطيرة التي تجد فيها فرصة ثمينة لاستقطاب الجماهير وشد عصبها من خلال استغلال سخطها وغضبها وتوترها عبر توظيف الغرائز و العصبيات الضيقة من اجل تثبيت الحضور والتأكيد على الاستمرارية العبثية.
فمن كان ينادي في السنوات الاخيرة بخيار الدولة وحماية المؤسسات، فجأة ظهر في الكحالة بطريقة هيستيرية ينادي بالخيارات التدميرية على اطلاقها، ويهاجم الجيش اللبناني لانه تدخل كما يحب ان يتدخل في حادثة الكحالة لحماية الامن وصون استقرار البلد الذي لا يحتمل شطحات فتنوية طائفية جربها لبنان في الماضي غير البعيد ، وكانت نتائجها الانزلاق نحو آتون الحرب الاهلية التي خسر فيها الجميع ولا يزال البلد واهله يدفع اثمان تداعياتها الكارثية السياسية والاقتصادية والاخلاقية لغاية اليوم.
ان رفض لغة الحرب و الخطاب الفتنوي والغرائزي والتقسيمي، لا يعني ابدا ان السلاح غير الشرعي ووهج فائض قوته الذي يدمر كل شيء في لبنان مقبول بأي شكل من الاشكال.
فلا جدل في أن هذا السلاح مرفوض ولا يجوز استمراره خلف اي حجة من الحجج الواهية من أجل التمادي اكثر في انتهاك سيادة الدولة وتقويض امن البلد وسلمه الاهلي والاجتماع، سيما إن وظيفة هذ السلاح غير الشرعي والإمرة عليه ليست بيد لبنان واللبنانيين بل بيد المرجع الاقليمي الذي يورد هذا السلاح ويمول من يستخدمه على الساحة اللبنانية.
ومع ذلك، ان معالجة علة السلاح وآفاته الكثيرة لا تكون من خلال صب الزيت على نيران الفتنة القاتلة، فخطر اخذ لبنان نحو الحرب الاهلية اخطر بكثير من علة بقاء السلاح الذي يجب مواجهته دون هوادة من خلال الخطاب الوطني الجامع وعلى قاعدة ان اضرار هذا السلاح الفادحة تصيب كل اللبنانيين بجميع مكوناتهم وخصوصا المكون الاجتماعي التي يتحصن خلفه حملة هذا السلاح الذي يطلق العنان لشريعة القتل والسلب والخطف وكل الموبقات في المجتمع الذي يحتضنه أكثر من غيره.
عندما تلاقى شعب لبنان بكافة مكوناته تحت مظلة العلم اللبناني تمكن في العام ٢٠٠٥ من اخراج النظام السوري مطرودا، واليوم المطلوب التخلي عن العصبويات الفئوية والخطابات الطائفية الفتنوية، والذهاب نحو رحاب الوطنية الجامعة التي توحد اللبنانيين تحت راية العلم اللبناني من اجل النضال العقلاني الذي يحقق ليس فقط انهاء حالة السلاح الشاذ عبر استعادة الدولة لكامل سيادتها، بل الذي يحقق أيضا هدف العبور من مستنقع المزارع الطائفية الى الوطن الجامع لكافة ابنائه ضمن كنف دولة القانون والعدالة والمواطنة.
اخيرا، ان ما حصل في قطوع الكحالة وما تركه في النفوس ينذر بالاخطر القادم، ويؤكد ان لبنان القابع على برميل من البارود لا يزال بأوضاعه الهشة ارض خصبة لكل انواع الانقسامات الخطيرة التي يحسن الخارج استغلالها لتكون صندوق بريد يستخدمه لخدمة مآربه ومصالحه ولو كان ذلك على حساب امن لبنان وسلمه الأهلي ومصالح شعبه.
- شارك الخبر:
