خصخصة الأرباح وتعميم الخسائر: لماذا يرفض اللبنانيون تمويل الانهيار من الأصول السيادية؟
بقلم: نبيل بو نصر الدين
قراءة في رسالة جمعية المصارف إلى فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية
تتنازع الساحة اللبنانية اليوم مقاربتان لمعالجة ما سُمِّي «فجوة» القطاع المصرفي: مقاربةٌ تُقدِّم الإصلاح والمحاسبة والتدقيق وإعادة الهيكلة على أي لجوءٍ إلى المال العام، وتُصرّ على أن استرداد الودائع لا يُبنى على إنقاذٍ أعمى بل على تصحيحٍ جذريٍّ في نموذج العمل المصرفي وآليات الحوكمة وإدارة المخاطر.
ومقاربةٌ مقابلة تدفع تحت شعار أنّ الأزمة «نظامية» إلى تحميل الدولة ومصرف لبنان كلفة السداد سريعًا، عبر استدعاء الأصول السيادية والاحتياطيات العامة، مع الحدّ إلى أقصى ما يمكن من تحميل المصارف أي عبء فعلي، وكأنّ المطلوب تحويل خسارةٍ نشأت في ميزانياتٍ خاصة إلى دينٍ سياديٍّ دائم.
في هذا السياق تأتي رسالة جمعية المصارف إلى فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون؛ إذ بدت الجمعية كأنها تخرج من مرحلة المناورة إلى مرحلة «الاشتباك الصريح»، معتبرة ان الأزمة في القطاع المصرفي هي ازمة نظامية بما يتيح لها الاستيلاء على الأصول التي تعود ملكيتها إلى الشعب اللبناني، وفي مقدّمها الذهب الذي طالما شكّل موضع أطماعها، في محاولة لتعويض جزء ممّا تحاول الإيحاء بأنّه خسائر تكبّدتها نتيجة السياسات الاقتصادية للدولة وسياسات مصرف لبنان.
أولًا: التستّر بالمودعين بوصفه أسلوب ضغط
من حيث الشكل، تتستّر الرسالة خلف المودعين، وتلجأ إلى أسلوب الضغط النفسي عبر التلويح بأن إفلاس المصارف سيؤدي إلى ضياع الودائع إلى الأبد، في محاولةٍ لتظهير الجمعية على أنّها المدافع الأول بل الوحيد عن مصالح المودعين.
غير أنّ هذا التصوير لا يصمد أمام الوقائع الأساسية: فالمصارف لم تحافظ على أموال المودعين كما يجب، بل فرّطت بها أو أدارتها بسياسات مخاطرة مفرطة، ثم اطمأنت بحسب ما يراه كثير من اللبنانيين الى تأمين مصالحها وأموالها الخاصة عبر قنوات خارجية وأصولٍ متنوعة، قبل أن تتخلّى عمليًّا عن أي ضغطٍ فعلي على الحكومة أو مصرف لبنان لإنتاج حلول مستدامة تعيد الانتظام إلى القطاع وتضمن حقوق الناس ضمن إطارٍ عادل.
بل إنّ اللافت أنّ الجمعية لم تُبدِ، في المراحل المفصلية، ما يكفي من الدفع الجدي نحو إجراءاتٍ تشريعية وتنظيمية كانت ولا تزال شرطاً أساسيًا لأي مسار إصلاحي: في طليعتها قانون ضبط حركة الرساميل (الكابيتال كونترول) وسائر القوانين المتصلة بتسديد القروض، ومعالجة التشوهات التي نتجت عن تعدد أسعار الصرف، وما ترتب عليه من تفاوتٍ في الحقوق والالتزامات بين المقترضين والمودعين.
ثانيًا: قلب الأدوار من المسؤول إلى الضحية
في مضمون الرسالة، تحاول جمعية المصارف تقديم نفسها كضحية لسياسات الدولة ومصرف لبنان، وتبعث بإشاراتٍ مبطّنة مفادها أنها قد تلجأ إلى إعلان الإفلاس؛ وهو إعلانٌ تقول إنه سيقود إلى ضياع كامل الودائع. بهذا المنطق، تسعى الجمعية إلى وضع الدولة والمصرف المركزي في مواجهة مباشرة مع المودعين، فتتحول المعركة في وعي الناس من مساءلة المصارف عن قراراتها، إلى مواجهةٍ بين المواطنين والدولة.
غير أنّ هذا الخطاب يتجاهل عمدًا عناصر لا يمكن تجاوزها عند تقويم المسؤوليات، ومنها ما أُثير مرارًا حول أرباحٍ ضخمة تحققت للمصارف خلال سنوات السياسات النقدية الاستثنائية، إضافةً إلى أرباح منصة «صيرفة» في ذروة الأزمة، فضلًا عن القروض التي حصلت عليها أكبر ثمانية مصارف والتي قيل إنّها بلغت نحو ثمانية مليارات دولار، جرى تحويل معظمها إلى الخارج. إن تجاهل هذه العناصر لا يقتصر على نقصٍ في السرد، بل يهدف إلى إعادة كتابة قصة الانهيار بحيث تبدأ من حيث تريد الجمعية، لا من حيث بدأت الوقائع.
ثالثًا: الخطة كما تُطرح والبند الذي لا يجوز التطبيع معه
في الخلاصة، تطرح الجمعية بشكل مباشر خطتها على فخامة الرئيس بعد التذكير بالذهب الموجود لدى مصرف لبنان، وتختصرها ببندٍ واحد (لطالما أثرنا التحذير منه في مقالات سابقة) :
اعادة الودائع من خلال تخصيص ما يلزم من أصول مصرف لبنان والدولة لصالح تنفيذ التزاماتهما، مع الحدّ بشكل كبير من تحميل المصارف العبء الذي تصفه بغير العادل، كما ورد في مسودة مشروع الفجوة المالية.
وهنا يظهر السؤال الفاصل الذي ينبغي ألا يُموَّه:
هل يُسمح للقطاع أن يخصخص أرباح الماضي، ثم يُعمّم خسائر الحاضر على الأصول السيادية—وفي مقدَّمها الذهب—بحجة الاستعجال والضرورة؟ أم تُحفظ هذه الأصول باعتبارها وديعةً عبر الأجيال، لا تُباع لسدّ أخطاءٍ صُنعت داخل ميزانيات المصارف وداخل منظومة قرارٍ ماليٍّ كانت تملك من أدوات المعرفة والإنذار ما يكفي لتخفيف المخاطر أو وقفها؟
رابعًا: خطورة منطق التصفية حين يُطبَّق على الدولة
إن القراءة التي تُصوِّر الدولة كمدينٍ مُعسِرٍ يجب عليه تسييل ممتلكاته قراءةٌ مُضلِّلة؛ لأنها تُعامِل الدولة معاملة شركةٍ قيد التصفية، لا كيانًا سياديًّا تُقيده المصلحة العامة والقيود الدستورية ومفهوم العدالة بين الأجيال. وهي الأخطر تخلط بين ديون الدولة والتزامات المصارف تجاه مودعيها، فتجعل الأصول العامة ضمانةً لقرارات مصرفية خطِرة، وتُهمل ترتيب المسؤوليات المهنية، وتتعامى عن الخلل البنيوي في نموذج العمل المصرفي.
إن بيع الأصول لا يُصلح الحوكمة، ولا يعيد الاعتبار لإدارة المخاطر، ولا يصحّح ثقافة القرار. كل ما يفعله أنه يبدّل المالك، ويُنتج سيولةً سريعة تُستهلك، فيما يبقى السبب البنيوي كما هو، وقد يعود أعنف مما كان.
خامسًا: الأزمة النظامية شعار لإعفاء المصارف من استحقاقات جوهرية
إن تسويق فكرة «الأزمة النظامية» يتجاهل جشع المصارف وانحرافها عن أصول إدارة المخاطر المصرفية، ويُستخدم عمليًا لإعفائها من استحقاقاتٍ جوهرية ينبغي أن تتقدّم على أي نقاشٍ في المال العام. ويساعد هذا الشعار على تحقيق أربعة أهداف واضحة:
أ-التهرّب من تدقيقٍ محاسبيٍّ شامل كما يطالب به صندوق النقد الدولي، تفاديًا لكشف مسارات استخدام الودائع، وتحديد الفجوة المالية بدقة، وتمييز ما هو خسارةٌ محقّقة عمّا هو تضخيمٌ أو تلاعبٌ في الأرقام.
ب-تجنّب إعادة هيكلة كل مصرفٍ على حدة على أساس معايير مهنية واضحة: كفاية رأس المال الموزون بالمخاطر، جودة الأصول، السيولة قصيرة الأجل، الحوكمة والامتثال. كما يتضمن ذلك تصنيفًا محكمًا يميز بين مصارف قابلة للاستمرار، ومصارف تحتاج إلى إعادة رسملة وهيكلة عميقة، وأخرى مرشحة للتصفية. واستبدال هذا النهج بنهجٍ عامٍّ قطاعي يذيب الفروق ويُلغي المحاسبة الفردية لمجالس الإدارة.
وقد تجاهلت مجالس إدارات عديدة معايير إدارة المخاطر وخرقت قواعد لجنة بازل، وساهمت في تضخّم المخاطر الائتمانية عبر تركيز الاستثمارات في سندات الدولة بنسبٍ مرتفعة جدًا قياسًا بحجم الودائع، رغم التحذيرات المبكرة من الانهيار الوشيك. ثم بلغ المسار ذروته حين جرى رفع الفوائد لجذب ودائع جديدة لتسديد الالتزامات القديمة، بما كرّس نموذجًا هشًّا قائمًا على الاستمرار عبر تدوير المخاطر.
ج-التنصّل من المسؤولية المباشرة في إعادة الودائع وإلقاء العبء بكامله على الدولة، في خطوةٍ خطيرة قد تفتح الباب أمام مواجهة بين المودعين والدولة، بدل توجيه المساءلة إلى المسؤولين الفعليين عن القرارات التي ضاعفت المخاطر.
د- تجنب توزيع الخسائر على مستوى المصارف وفق التسلسل الذي يُطلب عادةً في برامج الإصلاح: (و الذي طلبه صندوق التقد الدولي) ، بدءًا من رؤوس أموال المصارف، ثم المساهمين، يليهم حملة الأسهم التفضيلية، وأخيرًا أعضاء مجلس الإدارة والمدراء. فرفض هذا التسلسل ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو جوهر الصراع على من يدفع.
وباختصار، تسعى جمعية المصارف إلى فرض معادلتها الخاصة:
«لا دمج للمصارف، لا تصفية لها، لا تحميل مسؤوليات، لا شروط لاستمراريتها، ولا مساس بأموالها الخاصة».
ومعنى ذلك عمليًا: حماية البنية القديمة، وتحصين رأس المال الخاص، ونقل الكلفة إلى المجال العام.
سادسًا: حلول جذّابة ظاهريًا وخطيرة في الجوهر
انطلاقًا من هذه المقاربة، تُطرح حلول تبدو جذابة للوهلة الأولى لأنها تقدم للناس وهمَ اختصار الطريق، لكنها في العمق تعيد إنتاج المأزق. ومن أبرزها:
١- بيع الذهب أو استثماره؛ مع التنبيه إلى أن رصيد لبنان—ذهبًا واحتياطياتٍ أجنبية—قد يُقارِب جزءًا من الودائع المحتجزة، لكنه لا يختزل الفجوة النظامية، ولا يصلح منفردًا أساسًا لتمويلٍ يُقدَّم قبل الإصلاح. إن استخدام الذهب كجسرٍ فوق الإصلاح يعني أن الجسر سيُستهلك سريعًا، ثم نعود إلى النقطة نفسها بلا ذهب وبلا إصلاح.
٢-بيع أصول الدولة أو إنشاء صندوق استرداد الودائع تمول موارده من عوائد اصول الدولة و اصول المصرف المركزي وهذه الأدوات مهما تنوعت تسمياتها تشترك في جوهر واحد: تحويل الإيرادات العامة المستقبلية إلى وسيلة لسد فجوةٍ صنعتها قرارات مخاطرة في القطاع الخاص.
سابعًا: إعادة النقاش إلى قواعد مهنية قابلة للتنفيذ
لإخراج النقاش من دائرة الابتزاز والتسويق، يلزم تثبيت ثلاث مسلّمات مترابطة:
١-الأصول العامة من الذهب إلى المرافق والعقارات ذخرٌ اجتماعي عبر الأجيال، ولا تُسخَّر لتعويض فئةٍ بعينها قبل تدقيقٍ قضائيٍّ ومحاسبيٍّ مستقل يبيّن مصادر الودائع وطبيعتها ويُوثّق الفجوة ومساراتها، مع مراعاة ما للذهب من قيودٍ قانونية وتشريعية لا يجوز القفز فوقها أو التعامل معها كعائقٍ شكلي.
٢-توزيع الخسائر يجب أن يلتزم تسلسلًا صارمًا بما يتناسب مع شروط الإصلاح والحوكمة التي تُطرح دوليًا: يبدأ برأس المال والمالكين والمستفيدين من الأرباح، ولا تُستدعى الدولة إلا في المرحلة الأخيرة وبعد اكتمال الإصلاحات، لا قبلها ولا بدلًا عنها.
٣-وظيفة الذهب استقرارٌ وثقة، لا مقايضةٌ عجلى؛ لأن تسييله قبل الإصلاح يُنتج سيولةً تُستهلك من دون معالجة السبب البنيوي، بينما المسار الصحيح يبدأ بتوثيق الفجوة، وتطبيق آليات القرار المصرفي مصرفًا بمصرف، وضبطٍ مؤقتٍ وعادل لحركة الرساميل، ثم تُبحث أدوات التمويل ضمن خطة شاملة لا ضمن رد فعلٍ متسرّع.
وبناءً على ذلك، فإن المقترحات المطروحة حاليًا، وفي طليعتها التسييل الجزئي للذهب أو خصخصة بعض المؤسسات العامة، لا يجوز النظر فيها قبل استكمال الاستحقاقات السابقة ذكرها.
ثامنًا: وإن فُرض النقاش بعد الإصلاح فالعائدات مال عام لا غنيمة جديدة
وإذا أُصِرَّ على بحث هذه الخيارات بعد الوفاء بالشروط الإصلاحية، فالعوائد مالٌ عام يجب أن يعود على جميع اللبنانيين وفق آليةٍ قانونية شفافة، تتضمن على الأقل سجلًا وطنيًا موحّدًا، ومعايير استحقاق مُعلنة ومنصفة، ورقابة مستقلة تمنع الانحراف وتُسائل القائمين على التنفيذ.
كما ينبغي أن تراعي هذه المعايير ذوي الخسائر المباشرة،،ممن تهدمت و تضررت منازلهم نتيجة العدوان الاسرائيلي على لبنان ،او اصحاب تعويضات نهاية الخدمة من اجراء و مياومين و عمال ممن فقدوا اكثر من ٩٠٪ من قيمة تعويضاتهم ، والمتعرّضين لاقتطاعات جسيمة. عندئذٍ فقط يمكن الحديث عن منفعةٍ صافية بدل نقلٍ جديدٍ للأعباء.
تاسعًا: صندوق استرداد الودائع آلية توزيع قابلة للانحراف ما لم تُقَيَّد
أما صندوق استرداد الودائع، حتى في أفضل صِيَغه، فليس حلًّا ماليًا بنيويًا ما لم تُنجَز الإصلاحات أولًا. وبصيغته المتداولة اليوم، يبدو في جوهره آليةَ توزيعٍ قابلة للانحراف إذا طُرح قبل الإصلاح، وذلك لثلاثة أسباب رئيسة:
أ-. قابليّة عالية للتسييس تُحوّله قناة ريع ومحاصصة بدل أداة محكومة بمعايير واضحة.
ب- سيطرة الطبقة السياسية على مجلس إدارته بما يفرغ أهدافه من مضمونها، ويحيله من وسيلةٍ للإصلاح المالي إلى أداةٍ لتبديد الإيرادات مجددًا.
ج- أن المستفيد الأكبر من إنشائه ستكون المصارف التجارية نفسها التي راكمت أرباحًا كبيرة على مدى سنوات، وتريد اليوم تحميل المجتمع كلفة سوء إدارتها وتغاضيها عن الإدارة العلمية للمخاطر، سعيًا وراء تعظيم الأرباح.
أما وإن قُدِّر السير بهذا الصندوق بعد القيام بالإصلاحات المطلوبة، فلا بد من شروطٍ مُحكَمة تشمل على الأقل تفويضًا قانونيًا محددًا لا يتمدد، وحوكمة مستقلة، ومعايير استحقاق مُعلنة، وجدولًا زمنيًا لإقفاله يضمن عدم تحوّله بنيةً دائمة تُستعمل كلما تعثّرت منظومة القرار.
خاتمة: الخيار ليس بين تعويض المودعين وتركهم، بل بين مسارين
خلاصة القول إنّ الخيار اليوم ليس بين تعويض المودعين أو تركهم، بل بين تعويضٍ يُصلح النظام وتعويضٍ يُعيد إنتاج الخلل. السؤال الجوهري:
هل نبيع الذهب ونخصخص المال العام لسدّ فجوةٍ صنعتها قرارات مخاطرة، أم نبدأ بالمساءلة والمحاسبة وإعادة الهيكلة مصرفًا بمصرف، ونحمي المودعين وخاصة الصغار منهم ضمن مسارٍ واضح وشفاف؟
الطريق الجاد يمر عبر ترتيبٍ منصف لتحمّل الخسائر وتدقيقٍ شامل يحدد الفجوة ويوثق مساراتها، مع حماية معلنة وواضحة للمودعين الصغار. أمّا تحويل الأصول السيادية وفي مقدَّمها الذهب إلى مصدر تمويل فوري قبل الإصلاح، فيعني عمليًا دفع الكلفة مرتين: مرةً حين تُستنزف الأصول، ومرةً حين يتأبّد الخلل البنيوي وتتعاظم فاتورته.
والقاعدة التي لا لبس فيها: إصلاحٌ ومحاسبةٌ أولًا، ثم أدوات تمويلٍ مدروسة تصون الأصول العامة دعائمَ ثقةٍ واستقرار، وترفض أي قفزٍ فوق الإصلاح بذريعة العجلة، لأن ثمنه دائمًامضاعف على المجتمع كله.
بقلم: نبيل بو نصر الدين
قراءة في رسالة جمعية المصارف إلى فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية
تتنازع الساحة اللبنانية اليوم مقاربتان لمعالجة ما سُمِّي «فجوة» القطاع المصرفي: مقاربةٌ تُقدِّم الإصلاح والمحاسبة والتدقيق وإعادة الهيكلة على أي لجوءٍ إلى المال العام، وتُصرّ على أن استرداد الودائع لا يُبنى على إنقاذٍ أعمى بل على تصحيحٍ جذريٍّ في نموذج العمل المصرفي وآليات الحوكمة وإدارة المخاطر.
ومقاربةٌ مقابلة تدفع تحت شعار أنّ الأزمة «نظامية» إلى تحميل الدولة ومصرف لبنان كلفة السداد سريعًا، عبر استدعاء الأصول السيادية والاحتياطيات العامة، مع الحدّ إلى أقصى ما يمكن من تحميل المصارف أي عبء فعلي، وكأنّ المطلوب تحويل خسارةٍ نشأت في ميزانياتٍ خاصة إلى دينٍ سياديٍّ دائم.
في هذا السياق تأتي رسالة جمعية المصارف إلى فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون؛ إذ بدت الجمعية كأنها تخرج من مرحلة المناورة إلى مرحلة «الاشتباك الصريح»، معتبرة ان الأزمة في القطاع المصرفي هي ازمة نظامية بما يتيح لها الاستيلاء على الأصول التي تعود ملكيتها إلى الشعب اللبناني، وفي مقدّمها الذهب الذي طالما شكّل موضع أطماعها، في محاولة لتعويض جزء ممّا تحاول الإيحاء بأنّه خسائر تكبّدتها نتيجة السياسات الاقتصادية للدولة وسياسات مصرف لبنان.
أولًا: التستّر بالمودعين بوصفه أسلوب ضغط
من حيث الشكل، تتستّر الرسالة خلف المودعين، وتلجأ إلى أسلوب الضغط النفسي عبر التلويح بأن إفلاس المصارف سيؤدي إلى ضياع الودائع إلى الأبد، في محاولةٍ لتظهير الجمعية على أنّها المدافع الأول بل الوحيد عن مصالح المودعين.
غير أنّ هذا التصوير لا يصمد أمام الوقائع الأساسية: فالمصارف لم تحافظ على أموال المودعين كما يجب، بل فرّطت بها أو أدارتها بسياسات مخاطرة مفرطة، ثم اطمأنت بحسب ما يراه كثير من اللبنانيين الى تأمين مصالحها وأموالها الخاصة عبر قنوات خارجية وأصولٍ متنوعة، قبل أن تتخلّى عمليًّا عن أي ضغطٍ فعلي على الحكومة أو مصرف لبنان لإنتاج حلول مستدامة تعيد الانتظام إلى القطاع وتضمن حقوق الناس ضمن إطارٍ عادل.
بل إنّ اللافت أنّ الجمعية لم تُبدِ، في المراحل المفصلية، ما يكفي من الدفع الجدي نحو إجراءاتٍ تشريعية وتنظيمية كانت ولا تزال شرطاً أساسيًا لأي مسار إصلاحي: في طليعتها قانون ضبط حركة الرساميل (الكابيتال كونترول) وسائر القوانين المتصلة بتسديد القروض، ومعالجة التشوهات التي نتجت عن تعدد أسعار الصرف، وما ترتب عليه من تفاوتٍ في الحقوق والالتزامات بين المقترضين والمودعين.
ثانيًا: قلب الأدوار من المسؤول إلى الضحية
في مضمون الرسالة، تحاول جمعية المصارف تقديم نفسها كضحية لسياسات الدولة ومصرف لبنان، وتبعث بإشاراتٍ مبطّنة مفادها أنها قد تلجأ إلى إعلان الإفلاس؛ وهو إعلانٌ تقول إنه سيقود إلى ضياع كامل الودائع. بهذا المنطق، تسعى الجمعية إلى وضع الدولة والمصرف المركزي في مواجهة مباشرة مع المودعين، فتتحول المعركة في وعي الناس من مساءلة المصارف عن قراراتها، إلى مواجهةٍ بين المواطنين والدولة.
غير أنّ هذا الخطاب يتجاهل عمدًا عناصر لا يمكن تجاوزها عند تقويم المسؤوليات، ومنها ما أُثير مرارًا حول أرباحٍ ضخمة تحققت للمصارف خلال سنوات السياسات النقدية الاستثنائية، إضافةً إلى أرباح منصة «صيرفة» في ذروة الأزمة، فضلًا عن القروض التي حصلت عليها أكبر ثمانية مصارف والتي قيل إنّها بلغت نحو ثمانية مليارات دولار، جرى تحويل معظمها إلى الخارج. إن تجاهل هذه العناصر لا يقتصر على نقصٍ في السرد، بل يهدف إلى إعادة كتابة قصة الانهيار بحيث تبدأ من حيث تريد الجمعية، لا من حيث بدأت الوقائع.
ثالثًا: الخطة كما تُطرح والبند الذي لا يجوز التطبيع معه
في الخلاصة، تطرح الجمعية بشكل مباشر خطتها على فخامة الرئيس بعد التذكير بالذهب الموجود لدى مصرف لبنان، وتختصرها ببندٍ واحد (لطالما أثرنا التحذير منه في مقالات سابقة) :
اعادة الودائع من خلال تخصيص ما يلزم من أصول مصرف لبنان والدولة لصالح تنفيذ التزاماتهما، مع الحدّ بشكل كبير من تحميل المصارف العبء الذي تصفه بغير العادل، كما ورد في مسودة مشروع الفجوة المالية.
وهنا يظهر السؤال الفاصل الذي ينبغي ألا يُموَّه:
هل يُسمح للقطاع أن يخصخص أرباح الماضي، ثم يُعمّم خسائر الحاضر على الأصول السيادية—وفي مقدَّمها الذهب—بحجة الاستعجال والضرورة؟ أم تُحفظ هذه الأصول باعتبارها وديعةً عبر الأجيال، لا تُباع لسدّ أخطاءٍ صُنعت داخل ميزانيات المصارف وداخل منظومة قرارٍ ماليٍّ كانت تملك من أدوات المعرفة والإنذار ما يكفي لتخفيف المخاطر أو وقفها؟
رابعًا: خطورة منطق التصفية حين يُطبَّق على الدولة
إن القراءة التي تُصوِّر الدولة كمدينٍ مُعسِرٍ يجب عليه تسييل ممتلكاته قراءةٌ مُضلِّلة؛ لأنها تُعامِل الدولة معاملة شركةٍ قيد التصفية، لا كيانًا سياديًّا تُقيده المصلحة العامة والقيود الدستورية ومفهوم العدالة بين الأجيال. وهي الأخطر تخلط بين ديون الدولة والتزامات المصارف تجاه مودعيها، فتجعل الأصول العامة ضمانةً لقرارات مصرفية خطِرة، وتُهمل ترتيب المسؤوليات المهنية، وتتعامى عن الخلل البنيوي في نموذج العمل المصرفي.
إن بيع الأصول لا يُصلح الحوكمة، ولا يعيد الاعتبار لإدارة المخاطر، ولا يصحّح ثقافة القرار. كل ما يفعله أنه يبدّل المالك، ويُنتج سيولةً سريعة تُستهلك، فيما يبقى السبب البنيوي كما هو، وقد يعود أعنف مما كان.
خامسًا: الأزمة النظامية شعار لإعفاء المصارف من استحقاقات جوهرية
إن تسويق فكرة «الأزمة النظامية» يتجاهل جشع المصارف وانحرافها عن أصول إدارة المخاطر المصرفية، ويُستخدم عمليًا لإعفائها من استحقاقاتٍ جوهرية ينبغي أن تتقدّم على أي نقاشٍ في المال العام. ويساعد هذا الشعار على تحقيق أربعة أهداف واضحة:
أ-التهرّب من تدقيقٍ محاسبيٍّ شامل كما يطالب به صندوق النقد الدولي، تفاديًا لكشف مسارات استخدام الودائع، وتحديد الفجوة المالية بدقة، وتمييز ما هو خسارةٌ محقّقة عمّا هو تضخيمٌ أو تلاعبٌ في الأرقام.
ب-تجنّب إعادة هيكلة كل مصرفٍ على حدة على أساس معايير مهنية واضحة: كفاية رأس المال الموزون بالمخاطر، جودة الأصول، السيولة قصيرة الأجل، الحوكمة والامتثال. كما يتضمن ذلك تصنيفًا محكمًا يميز بين مصارف قابلة للاستمرار، ومصارف تحتاج إلى إعادة رسملة وهيكلة عميقة، وأخرى مرشحة للتصفية. واستبدال هذا النهج بنهجٍ عامٍّ قطاعي يذيب الفروق ويُلغي المحاسبة الفردية لمجالس الإدارة.
وقد تجاهلت مجالس إدارات عديدة معايير إدارة المخاطر وخرقت قواعد لجنة بازل، وساهمت في تضخّم المخاطر الائتمانية عبر تركيز الاستثمارات في سندات الدولة بنسبٍ مرتفعة جدًا قياسًا بحجم الودائع، رغم التحذيرات المبكرة من الانهيار الوشيك. ثم بلغ المسار ذروته حين جرى رفع الفوائد لجذب ودائع جديدة لتسديد الالتزامات القديمة، بما كرّس نموذجًا هشًّا قائمًا على الاستمرار عبر تدوير المخاطر.
ج-التنصّل من المسؤولية المباشرة في إعادة الودائع وإلقاء العبء بكامله على الدولة، في خطوةٍ خطيرة قد تفتح الباب أمام مواجهة بين المودعين والدولة، بدل توجيه المساءلة إلى المسؤولين الفعليين عن القرارات التي ضاعفت المخاطر.
د- تجنب توزيع الخسائر على مستوى المصارف وفق التسلسل الذي يُطلب عادةً في برامج الإصلاح: (و الذي طلبه صندوق التقد الدولي) ، بدءًا من رؤوس أموال المصارف، ثم المساهمين، يليهم حملة الأسهم التفضيلية، وأخيرًا أعضاء مجلس الإدارة والمدراء. فرفض هذا التسلسل ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو جوهر الصراع على من يدفع.
وباختصار، تسعى جمعية المصارف إلى فرض معادلتها الخاصة:
«لا دمج للمصارف، لا تصفية لها، لا تحميل مسؤوليات، لا شروط لاستمراريتها، ولا مساس بأموالها الخاصة».
ومعنى ذلك عمليًا: حماية البنية القديمة، وتحصين رأس المال الخاص، ونقل الكلفة إلى المجال العام.
سادسًا: حلول جذّابة ظاهريًا وخطيرة في الجوهر
انطلاقًا من هذه المقاربة، تُطرح حلول تبدو جذابة للوهلة الأولى لأنها تقدم للناس وهمَ اختصار الطريق، لكنها في العمق تعيد إنتاج المأزق. ومن أبرزها:
١- بيع الذهب أو استثماره؛ مع التنبيه إلى أن رصيد لبنان—ذهبًا واحتياطياتٍ أجنبية—قد يُقارِب جزءًا من الودائع المحتجزة، لكنه لا يختزل الفجوة النظامية، ولا يصلح منفردًا أساسًا لتمويلٍ يُقدَّم قبل الإصلاح. إن استخدام الذهب كجسرٍ فوق الإصلاح يعني أن الجسر سيُستهلك سريعًا، ثم نعود إلى النقطة نفسها بلا ذهب وبلا إصلاح.
٢-بيع أصول الدولة أو إنشاء صندوق استرداد الودائع تمول موارده من عوائد اصول الدولة و اصول المصرف المركزي وهذه الأدوات مهما تنوعت تسمياتها تشترك في جوهر واحد: تحويل الإيرادات العامة المستقبلية إلى وسيلة لسد فجوةٍ صنعتها قرارات مخاطرة في القطاع الخاص.
سابعًا: إعادة النقاش إلى قواعد مهنية قابلة للتنفيذ
لإخراج النقاش من دائرة الابتزاز والتسويق، يلزم تثبيت ثلاث مسلّمات مترابطة:
١-الأصول العامة من الذهب إلى المرافق والعقارات ذخرٌ اجتماعي عبر الأجيال، ولا تُسخَّر لتعويض فئةٍ بعينها قبل تدقيقٍ قضائيٍّ ومحاسبيٍّ مستقل يبيّن مصادر الودائع وطبيعتها ويُوثّق الفجوة ومساراتها، مع مراعاة ما للذهب من قيودٍ قانونية وتشريعية لا يجوز القفز فوقها أو التعامل معها كعائقٍ شكلي.
٢-توزيع الخسائر يجب أن يلتزم تسلسلًا صارمًا بما يتناسب مع شروط الإصلاح والحوكمة التي تُطرح دوليًا: يبدأ برأس المال والمالكين والمستفيدين من الأرباح، ولا تُستدعى الدولة إلا في المرحلة الأخيرة وبعد اكتمال الإصلاحات، لا قبلها ولا بدلًا عنها.
٣-وظيفة الذهب استقرارٌ وثقة، لا مقايضةٌ عجلى؛ لأن تسييله قبل الإصلاح يُنتج سيولةً تُستهلك من دون معالجة السبب البنيوي، بينما المسار الصحيح يبدأ بتوثيق الفجوة، وتطبيق آليات القرار المصرفي مصرفًا بمصرف، وضبطٍ مؤقتٍ وعادل لحركة الرساميل، ثم تُبحث أدوات التمويل ضمن خطة شاملة لا ضمن رد فعلٍ متسرّع.
وبناءً على ذلك، فإن المقترحات المطروحة حاليًا، وفي طليعتها التسييل الجزئي للذهب أو خصخصة بعض المؤسسات العامة، لا يجوز النظر فيها قبل استكمال الاستحقاقات السابقة ذكرها.
ثامنًا: وإن فُرض النقاش بعد الإصلاح فالعائدات مال عام لا غنيمة جديدة
وإذا أُصِرَّ على بحث هذه الخيارات بعد الوفاء بالشروط الإصلاحية، فالعوائد مالٌ عام يجب أن يعود على جميع اللبنانيين وفق آليةٍ قانونية شفافة، تتضمن على الأقل سجلًا وطنيًا موحّدًا، ومعايير استحقاق مُعلنة ومنصفة، ورقابة مستقلة تمنع الانحراف وتُسائل القائمين على التنفيذ.
كما ينبغي أن تراعي هذه المعايير ذوي الخسائر المباشرة،،ممن تهدمت و تضررت منازلهم نتيجة العدوان الاسرائيلي على لبنان ،او اصحاب تعويضات نهاية الخدمة من اجراء و مياومين و عمال ممن فقدوا اكثر من ٩٠٪ من قيمة تعويضاتهم ، والمتعرّضين لاقتطاعات جسيمة. عندئذٍ فقط يمكن الحديث عن منفعةٍ صافية بدل نقلٍ جديدٍ للأعباء.
تاسعًا: صندوق استرداد الودائع آلية توزيع قابلة للانحراف ما لم تُقَيَّد
أما صندوق استرداد الودائع، حتى في أفضل صِيَغه، فليس حلًّا ماليًا بنيويًا ما لم تُنجَز الإصلاحات أولًا. وبصيغته المتداولة اليوم، يبدو في جوهره آليةَ توزيعٍ قابلة للانحراف إذا طُرح قبل الإصلاح، وذلك لثلاثة أسباب رئيسة:
أ-. قابليّة عالية للتسييس تُحوّله قناة ريع ومحاصصة بدل أداة محكومة بمعايير واضحة.
ب- سيطرة الطبقة السياسية على مجلس إدارته بما يفرغ أهدافه من مضمونها، ويحيله من وسيلةٍ للإصلاح المالي إلى أداةٍ لتبديد الإيرادات مجددًا.
ج- أن المستفيد الأكبر من إنشائه ستكون المصارف التجارية نفسها التي راكمت أرباحًا كبيرة على مدى سنوات، وتريد اليوم تحميل المجتمع كلفة سوء إدارتها وتغاضيها عن الإدارة العلمية للمخاطر، سعيًا وراء تعظيم الأرباح.
أما وإن قُدِّر السير بهذا الصندوق بعد القيام بالإصلاحات المطلوبة، فلا بد من شروطٍ مُحكَمة تشمل على الأقل تفويضًا قانونيًا محددًا لا يتمدد، وحوكمة مستقلة، ومعايير استحقاق مُعلنة، وجدولًا زمنيًا لإقفاله يضمن عدم تحوّله بنيةً دائمة تُستعمل كلما تعثّرت منظومة القرار.
خاتمة: الخيار ليس بين تعويض المودعين وتركهم، بل بين مسارين
خلاصة القول إنّ الخيار اليوم ليس بين تعويض المودعين أو تركهم، بل بين تعويضٍ يُصلح النظام وتعويضٍ يُعيد إنتاج الخلل. السؤال الجوهري:
هل نبيع الذهب ونخصخص المال العام لسدّ فجوةٍ صنعتها قرارات مخاطرة، أم نبدأ بالمساءلة والمحاسبة وإعادة الهيكلة مصرفًا بمصرف، ونحمي المودعين وخاصة الصغار منهم ضمن مسارٍ واضح وشفاف؟
الطريق الجاد يمر عبر ترتيبٍ منصف لتحمّل الخسائر وتدقيقٍ شامل يحدد الفجوة ويوثق مساراتها، مع حماية معلنة وواضحة للمودعين الصغار. أمّا تحويل الأصول السيادية وفي مقدَّمها الذهب إلى مصدر تمويل فوري قبل الإصلاح، فيعني عمليًا دفع الكلفة مرتين: مرةً حين تُستنزف الأصول، ومرةً حين يتأبّد الخلل البنيوي وتتعاظم فاتورته.
والقاعدة التي لا لبس فيها: إصلاحٌ ومحاسبةٌ أولًا، ثم أدوات تمويلٍ مدروسة تصون الأصول العامة دعائمَ ثقةٍ واستقرار، وترفض أي قفزٍ فوق الإصلاح بذريعة العجلة، لأن ثمنه دائمًامضاعف على المجتمع كله.
- شارك الخبر:
